جورج كلوني.. المهاجر الأبيض الذي انتزع الجنسية الفرنسية
كيف حصل النجم الأمريكي على الجنسية الفرنسية ولماذا؟
تناقلت وسائل الإعلام الفرنسية والدولية نبأ حصول النجم الأمريكي جورج كلوني على الجنسية الفرنسية، مع زوجته لبنانية الأصل أمل علم الدين وولديهما.
هذا الخبر سيمرّ مرور الكرام على الجميع، لكن مفترشي الأرصفة أمام دوائر الأجانب، والجامدين أمام الشاشات بانتظار أي إشعار من وزارة الداخلية حول أوراقهم، سواء الإقامات أو الجنسيات، لن ينظروا إلى الخبر باعتيادية أبداً.
كيف حصل على الجنسية؟
رغم أن لفرنسا الحق بمنح جنسيتها لمن تريد، أو لمن “يستحق” كما قال وزير الداخلية السابق برونو روتايو، الذي وصف الجنسية بأنها “امتياز” لمن يستحق وليست “حقاً”، إلا أن في تجنيس كلوني أسئلة قانونية مشروعة.
أولاً: هل تجاوز كلوني مدة إقامة خمس سنوات على الأراضي الفرنسية؟
والجواب: لا، إذ انتقل رسمياً للإقامة في فرنسا عام 2021، ولا يستوفي أيّاً من حالات الاستثناء من هذا الشرط.
ثانياً: هل امتحن كلوني وعائلته مدنياً؟ هل يحفظون “لا مارسييز” وقيم الجمهورية، ويستطيعون تعداد أسماء خمسة وزراء فرنسيين على الأقل؟ خصوصاً في آخر سنتين، حيث يتم تغيير الحكومة أحياناً خلال ساعات في السنوات الأخيرة.
ثالثاً: هل تجاوز كلوني امتحان اللغة الفرنسية وحصل على درجة B1 المطلوبة قانونياً؟
على الأقل لدينا إجابة على هذا السؤال، يبدو أنه لم يفعل، لأن كلوني قال في تصريحات إذاعية مع محطة “RTL” الفرنسية مطلع ديسمبر 2025:“أنا أحب الثقافة الفرنسية، لكنني لا أزال سيئاً جداً في اللغة رغم 400 يوم من الدروس”.
هذه النقاط الثلاث الرئيسية لا بد أن نقف عندها، لأنها تفتح نقاشاً واسعاً حول الجنسية الفرنسية وشروطها التعجيزية مؤخراً.
عقيدة روتايو.. تحويل الجنسية من حق إلى امتياز
للحصول على “امتياز” الجنسية الفرنسية الذي تحدث عنه وزير الداخلية السابق برونو روتايو، سيكون عليك ابتداءً من عام 2026 الخضوع لشروط جديدة، من أبرزها مستوى B2 في اللغة الفرنسية، وهو ما يعجز بعض الفرنسيين أنفسهم عن تجاوزه، بحسب تقرير للتلفزيون الفرنسي حول الشروط الجديدة.
كذلك، تم تشديد الشروط المتعلقة بالموارد المالية، ومنحت المحافظات حق رفض الطلب من دون مقابلة إذا رأت أنه لا يستوفي شروطاً معينة.
إضافة إلى الاختبار المدني، الذي عجز أيضاً فرنسيون عن تجاوزه في التقرير نفسه للتلفزيون الفرنسي. وكل ذلك جاء في التعميمات التي أصدرها وزير الداخلية السابق برونو روتايو والذي رحل عن الوزارة كشخص لكنه لم يرحل كفكرة، حيث يستمر التضييق على المهاجرين لدرجة أن عشر جمعيات قامت بمقاضة الدولة الفرنسية أمام مجلس الدولة في نيسان أبريل الماضي، بتهمة “الإهمال الجسيم”
ونددت الجمعيات بالعوائق التقنية المرتبطة برقمنة طلبات تصاريح الإقامة، مما أدى إلى انتهاكات غير مسبوقة للحقوق، مثل فقدان الوظائف أو الحصول على السكن.
كم يقضي المهاجرون من حياتهم في الأوراق؟
بالنسبة لي، على الصعيد الشخصي، قضيت ست سنوات من أصل عشر في فرنسا وأنا أتابع أوراقي الرسمية، وهذا الرقم مفتوح لأن الرحلة لم تنتهِ حتى الآن.
ومن الحالات التي اطلعت عليها، توثق جمعيات مثل GISTI تأخيرات مزمنة في المحافظات بسبب نقص الموظفين منذ عام 2020، ما أدى إلى آلاف الدعاوى القضائية لإجبار السلطات على معالجة ملفات الإقامة، كما في حالات مثل “بلال”، الذي لجأ إلى القضاء في يونيو 2025 بعد ثمانية أشهر من التأخير في محافظة باريس.
كما أفادت تقارير Le Monde وBFM في ديسمبر 2025 بأن عدد التراخيص الاقتصادية انخفض بنسبة 54%، والتراخيص العائلية بنسبة 58% في الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 مقارنة بعام 2024، بسبب توجيهات روتايو، ما يهدد آلاف المهاجرين القانونيين بفقدان أوراقهم رغم دفع الضرائب.
وتشير بيانات INSEE لعام 2025 إلى أن المهاجرين يمثلون 11.2% من السكان (7.6 ملايين شخص)، ويساهمون في القوى العاملة بنسبة تصل إلى 20–25% في قطاعات أساسية مثل البناء والخدمات، رغم أن صافي تأثيرهم الاقتصادي يكاد يكون محايداً (±0.5% من الناتج المحلي)، بحسب دراسات.
كلوني ليس الأول… ولا الأخير
إن حالة جورج كلوني ليست استثناءً في المشهد الفرنسي الحديث، بل هي تذكير بحادثة سبقتها وأثارت جدلاً واسعاً، وهي منح الجنسية الفرنسية للملياردير الروسي بافيل دوروف، مؤسس تطبيق “تيليغرام”.
حصل دوروف على الجنسية عام 2021 عبر مسار قانوني نادر يُعرف بـ“الأجنبي المتميز” (Étranger émérite). هذا المسار يسمح لوزارة الخارجية بتجنيس أجنبي “يساهم من خلال عمله المتميز في إشعاع فرنسا”، من دون الحاجة للالتزام بشرط الإقامة خمس سنوات على الأراضي الفرنسية، ومن دون خوض غمار الاختبارات اللغوية والبيروقراطية المنهكة.
المفارقة هنا تكمن في أن هذا “السخاء” في منح الجنسية للنخب والمليارديرات والمشاهير يأتي في وقت تزداد فيه القبضة الأمنية والتعقيدات الإدارية ضد المهاجرين “العاديين”. فبينما يُمنح دوروف الجنسية وهو لا يعيش فعلياً في فرنسا، ويحصل عليها كلوني وهو لا يتقن لغتها، يبقى المهاجر الذي قضى عقداً من الزمن يساهم في دفع الضرائب والتأمين الصحي عالقاً في “ثقب أسود” من المواعيد الرقمية والملفات المفقودة.
في نهاية المطاف، يبدو أن فلسفة “الامتياز” التي ابتدعها الوزير روتايو أصبحت ذات معايير مزدوجة؛ فالمعايير التي توصف بالسيادية والمقدسة عندما يتعلق الأمر بالقادمين من الجنوب، تصبح مرنة وقابلة للتجاوز عندما يتعلق الأمر ببريق هوليوود أو وادي السيليكون.
وإذا كانت فرنسا في طريقها إلى تحويل الجنسية من “حق مكتسب بالعمل والاندماج” إلى “امتياز سيادي للنخبة”، فهذا ارتداد عن قيم الثورة الفرنسية، حيث ينص إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789 على أن التمييز لا يكون إلا بناءً على “المنفعة العامة والفضائل”. لكننا نجد اليوم أن المنفعة تُفسَّر باليورو والشهرة، بينما تُهدر فضيلة المهاجر الكادح في طوابير الانتظار.
إن فرنسا التي تُجنِّس “كلوني” وتُعرقل “العامل الملتزم” هي فرنسا التي تدير ظهرها لتاريخها الذي جعل منها منارة للمساواة.



