استراتيجية "سلق الضفدع" في سوريا
قراءة في هندسة المجتمع السوري الجديد
في الثامن من ديسمبر 2024، استيقظت دمشق على فجر غريب، فجر تمتزج فيه الحرية برماد الحرب. لم يكن سقوط نظام الأسد مجرد انهيار لهيكل عسكري وأمني متآكل، بل كان لحظة انكشاف كبرى لبيت سقط سقفه وبقيت جدرانه متصدعة، يخشى الساكن فيه من مطر الشتاء بقدر خشيته من حر الصيف.
تخيلونا في تلك الأيام: شعبٌ من أكثر من 20 مليون نسمة، منتشرة في أصقاع الأرض، يقفون في الداخل والخارج أمام مشهد جيوسياسي يُرسم بريشة باردة. دمشق التي خلعت حُجب الاستبداد، ترقص شوارعها فرحاً على أبواب الديمقراطية، لكن مشهداً دولياً معقداً نعرفه جميعاً يدفعها نحو ضباب “عهد انتقالي” يصفه عشاقه بـ”الأموية”.
وبعد أكثر من عام على تلك اللحظة التي رقصنا فيها جميعاً، تحول الانهيار المفاجئ من فعل تحرر إلى بداية عملية أدلجة ناعمة وممنهجة. إن القادم في أزقة الشام ليس مجرد تبديل لصور القادة على الجدران، بل هو هندسة للواقع السوري، تهدف إلى استبدال الوحش الأمني الصلب المركزي بشبكة من القوى التي تتقن “التقية” السياسية، أو ما يحب الأمويون تسميته بـ”البراغماتية”.
كيف تسلق الضفدع؟
يدرك أحمد الشرع (الجولاني سابقاً) أبسط نظريات الفيزياء: “لكل فعل رد فعل يوازيه في القوة ويعاكسه في الاتجاه”، لذا اعتمدت سلطته الجديدة استراتيجية “سلق الضفدع”. هي سياسة النفس الطويل التي ترفع درجة حرارة التغيير الاجتماعي والسياسي ببطء شديد، حتى يسترخي المجتمع السوري والمجتمع الدولي داخل “طنجرة السلطة الجديدة” دون أن يشعروا بلحظة الغليان القاتلة.
لقد نجح هذا التلون البراغماتي في تضليل العواصم الكبرى، وعبر دائرة من “تكنوقراط الولاء”، أو ما يمكن تسميته بـ”التكنوقراطية الانتقائية”، شُكّلت حكومة صدرت فيها صورة تعددية للعالم. وبالتالي نجح سلق الضفدع الدولي إلى حد بعيد، بموافقة راعي اليمين المتطرف العالمي دونالد ترامب.
إن هذا التطور ليس نضجاً سياسياً بقدر ما هو، كما نقول، “تمسكن لتتمكن”. فالسلطة التي قصّرت لحيتها لم تُقصّر سوطها الذي كان ممتداً لكل ما هو مدني في إدلب، وبدل أن تبدأ عملية بناء سوريا، بدأت بـ”أدلَبَتها”.
عدة قرارات وإجراءات، لسنا في معرض استعراضها الآن، أشعرت الحكومة أن الانتقادات لا تتجاوز حيز التواصل الاجتماعي، الذي ينجح جيشها الإلكتروني في قمع كل من يعارضها عليه وبكل الأشكال، أدت إلى انطلاق موجة أكثر وضوحاً من عملية السلق، أو بمعنى آخر رفع حرارة القدر قليلاً.
وجاء هذا الرفع عبر قرار محافظة دمشق بفرض قيود على الكحول لأول مرة في تاريخ الدولة السورية، وهذا ليس تنظيماً إدارياً، بل فصل جديد من عملية الهندسة الجديدة للمجتمع السوري.
المجتمع السوري كما نعرفه، كمجتمع محافظ، لم يسبق أن اشتكى من موضوع الكحول أو أماكن السهر، سواء في العاصمة أو غيرها. وكانت القوانين تنظر إلى الكحول كقطاع ضريبي وصحي (قانون 165 لعام 1945 وقانون 29 لعام 1961). كان هناك 109 حانات مرخصة في دمشق وحدها، تعكس دوراً لهذا القطاع في الاقتصاد الوطني عبر السياحة وعبر الصناعة، مثل معامل “ريان” و”ميماس”.
كما أبرزت التجارب المدنية السورية تنظيماً إدارياً منقطع النظير مقارنة بجيرانها، فكانت، مثلاً، إلى جانب لبنان، الوحيدتين في المشرق العربي اللتين نظمتا قطاع الدعارة. ولم يكن هذا استيراداً فرنسياً كما يُشاع، بل بدأت العملية في العهد العثماني. وفي حلب مثلاً، كان حي “بحسيتا” جزءاً من نسيج حلب القديمة، ورغم سمعته السيئة اجتماعياً، لم يتغير نشاط الحي بسبب الرفض المجتمعي، ولكن لأسباب أخرى سياسية واقتصادية.
لذا، لا شكاوى منطقية في هذا الإطار، إنما وصاية أخلاقية يُراد فرضها، وانقسام اجتماعي جديد يُراد مأسسته. لأن استثناء أحياء (باب توما، القصاع، باب شرقي) ليس تسامحاً، بل هو تأسيس لـ”غيتوهات طائفية”. وكذلك تلاعب بالنسيج الطبقي للمدينة سوف يحول هذه الأحياء إلى مساحة غريبة عن روادها وسكانها، ما يضطرهم لهجرها لاحقاً.
هندسة المجتمع السوري بين باريس وطهران
ما تمارسه السلطة الجديدة اليوم هو “هندسة مجتمعية”، وهذا استنساخ لآلية سوريا المتجانسة التي أرادها بشار الأسد وتحدث عنها، ولكن من ضفة أخرى. وبالتالي نحن أمام عملية تطهير للمجال العام، الذي يجب أن يكون خالياً إلا من بني أمية أو من في حكمهم. وعليه، إن ما تمر به سوريا هو “مرحلة انتقال العنف”: من عنف الأسد القائم على “الرعب المركزي”، إلى عنف السلطة الجديدة المبني على تجربة الأسد بعد 2011، والقائمة على “الرعب الموزع” عبر شبكة ميليشيات عسكرية وشبكة من المستفيدين سياسياً وأوليغارشية صاعدة وجيش إلكتروني من الشبيحة، ما يجعل المواطن “مو عرفان من وين بدو يجيه الكف”.
هذه السياسة يمكنها أن تحول سوريا إلى مجتمعات محاصرة بالخوف والفقر، ومقسمة ولكن “تحت سقف الوطن”. وبعد إنهاك ما تبقى من الأصوات المدنية السورية، واستبدالها بـ”تكنوقراط الولاء” الذي تحدثنا عنه سابقاً، سوف تبدأ عمليات القمع المباشرة الواسعة التي تشمل الاعتقالات والاغتيالات، ومن هنا يبدأ ما تبقى من هذا المجتمع المنهك بالانحلال.
لكن على المدى الطويل، لم تجرِ رياح هندسة المجتمعات كما اشتهت سفن مهندسيها، ومن أبرز التجارب عهد الإرهاب الذي أعقب الثورة الفرنسية.
في التجربة الفرنسية، استند قادة اليعاقبة، ولا سيما ماكسيميليان روبسبيير، إلى رؤية جان جاك روسو حول “الإرادة العامة” وضرورة غرس “الفضيلة المدنية” لضمان بقاء الجمهورية. كان الاعتقاد السائد هو أن الحكومة تمتلك الحق والأدوات لتكوين شعب جديد متحرر من “خرافات” الماضي وتبعات العهد القديم.
هندسة المجتمع الفرنسي في عهد الإرهاب قد فشلت في تحقيق أهدافها لعدة أسباب. أولاً، اعتمدت هذه الهندسة على “الإرهاب” كأداة وحيدة لفرض التغيير، مما خلق مناخاً من الخوف وعدم اليقين أدى في النهاية إلى تآكل القاعدة الشعبية للثوار أنفسهم. ثانياً، كانت هذه السياسات مدفوعة بنخبة راديكالية صغيرة في باريس، بينما ظل عموم الشعب الفرنسي مرتبطاً بتقاليده الاجتماعية والدينية.
بمجرد سقوط روبسبيير في يوليو 1794، بدأ المجتمع الفرنسي يلفظ هذه الإجراءات القسرية. ومع تولي نابليون بونابرت السلطة، أدرك أن استقرار الدولة يتطلب تصالحاً مع الكنيسة، وهو ما تم عبر “كونكوردات 1801”، الذي أعاد الاعتبار للممارسة الدينية، مما مثل إقراراً رسمياً بفشل مشروع إزالة المسيحية.
ومثال آخر غير بعيد عن بيئة سوريا هو إيران. فهناك، مع اختلاف الأيديولوجيا عن فرنسا بين واحدة دينية وأخرى معادية للدين، نجد أن الثورة الإيرانية استمدت شرعيتها الهندسية من دمج الأيديولوجيا الثورية مع الفكر الإسلامي الشيعي، حيث اعتبر علي شريعتي أن الإيمان يجب أن يكون أداة للتحرر الاجتماعي، بينما صاغ آية الله الخميني إطار “ولاية الفقيه” كمؤسسة عليا تشرف على أسلمة كافة مناحي الحياة لضمان انسجام المجتمع مع القيم الإلهية.
بدأت عملية الهندسة الحقيقية في إيران مع “الثورة الثقافية” (1980-1983)، التي استهدفت الجامعات باعتبارها معاقل للتفكير الغربي واليساري. أمر الخميني بإغلاق الجامعات لتطهيرها، مما أسفر عن طرد ما يقرب من 20,000 أستاذ جامعي وآلاف الطلاب الذين اعتُبروا غير ملتزمين أيديولوجياً. ولضمان استدامة هذا التغيير، أُنشئ “المجلس الأعلى للثورة الثقافية”، الذي بات يمتلك سلطة فوق-برلمانية لتصميم السياسات الثقافية والتعليمية.
لاحقاً، تم تأسيس “الباسيج”، وهذه المنظمة هي الابتكار الأبرز في مشروع الهندسة الاجتماعية الإيراني. لا تقتصر وظيفة الباسيج على المشاركة في القمع العسكري، بل تمتد لتكون ذراعاً اجتماعياً يتغلغل في كافة الأحياء والمصانع والجامعات. نجح النظام عبر الباسيج في خلق طبقة من “المواطنين الموالين” الذين يحصلون على امتيازات تعليمية ووظيفية مقابل دورهم في حماية القيم الثورية ومراقبة السلوك العام، مما حول المجتمع إلى رقيب على نفسه.
ولّد هذا عملية هجرة صامتة من إيران بدأت من بداية الثمانينات وبلغت ذروتها في التسعينات. وبعد تلك الفترة، بدا وكأن الجمهورية الإسلامية نجحت بتشكيل مجتمع متجانس، ولكن في الواقع كانت الأمور مختلفة، حيث تشير الدراسات إلى أن المجتمع الإيراني يمر بواحدة من أسرع عمليات العلمنة في العالم الإسلامي، وهي علمانية مدفوعة برد فعل شعبي ضد تسييس الدين. يصف عالم الاجتماع آصف بيات هذه الحالة بـ”ما بعد الإسلاموية”، حيث يظل الأفراد متمسكين بإيمانهم الخاص، لكنهم يرفضون بشدة وصاية الدولة الدينية.
استطلاعات الرأي الحديثة (مثل دراسات GAMAAN، مجموعة تحليل وقياس المواقف في إيران) تشير إلى أن أكثر من 65% من الإيرانيين يعارضون استمرار النظام الديني، وأن نسبة كبيرة تفضل الفصل التام بين الدين والدولة.
هذا الفشل في هندسة الوعي يتجلى في “الحياة المزدوجة” التي يعيشها الإيرانيون، حيث يلتزمون بالضوابط الرسمية في الشارع ويمارسون نمط حياة متحرراً في منازلهم وفي الفضاء الرقمي. إن إصرار النظام على فرض أنماط سلوكية معينة، مثل الحجاب الإلزامي، حول الجسد الأنثوي إلى ساحة معركة سياسية، مما أدى في النهاية إلى انفجار الاحتجاجات الكبرى، مثل حركة “امرأة، حياة، حرية” في 2022، وصولاً إلى انتفاضات عامي 2025 و2026، ما يمكن اعتباره دليلاً قاطعاً على انهيار مشروع الهندسة الاجتماعية، بعد أن تحولت المطالب الاقتصادية إلى رفض شامل للهوية التي حاول النظام فرضها لعقود.
شبح طهران يخيم على دمشق
من المؤكد، واعتماداً على ما سبق، أن الثورات والتحولات الكبرى تأتي بأنظمة استبدادية تحاول استغلال المرحلة بفرض رؤيتها الأيديولوجية. ومع سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024، تطلع السوريون بكل مشاربهم نحو دولة جديدة، وأبدوا استعدادهم للانخراط في بنائها، ولكن اليوم، وتدريجياً، تتراجع الآمال في بناء دولة حديثة على نموذج مناسب مثل التركي أو الماليزي.
والأسوأ أن السلطة المدعومة دولياً، والمشاد بها مراراً من دونالد ترامب، تسير بالبلاد نحو سيناريو مستوحى من تجربة طهران، مما سيؤدي إلى استقرار هيئة تحرير الشام بصيغة معينة في الحكم، مع فشل في التنمية الاقتصادية بات واضحاً من خلال الوعود الخلبية ومذكرات التفاهم التي بقيت حبراً على ورق، وسوف يزيده تراجع قدرة حلفاء الشرع من العرب على ضخ الأموال في سوريا نتيجة الحرب الحالية في المنطقة.
ما سيؤدي إلى نشوء “مجتمعات موازية” داخل سوريا ترفض الخطاب الرسمي، وتتجه نحو علمانية جذرية كرد فعل على “فشل الحكم الديني”. هذا المسار قد يستغرق عقوداً، ولكنه سينتهي بانفجار اجتماعي يعيد صياغة هوية الدولة بعيداً عن المنطلقات الأيديولوجية الحالية.
برأيي، هذا السيناريو هو الأقرب للحدوث في سوريا خلال السنوات القادمة، ولكن هذه القراءة، بطبيعة الحال، ليست حتمية، وربما من الأفضل اعتبارها تحذيراً بدل النظر فيها كقراءة متشائمة لمستقبل البلاد. وما يبعث الأمل هو الأسابيع الأخيرة من بداية العام 2026، وصولاً إلى ذكرى الثورة، حيث يتراجع الدعم الشعبي للحكومة وتعود أصوات الفاعلين في ثورة 2011 للارتفاع وتسجيل موقف للتاريخ، على أقل تقدير، بالقول: “هذا ليس ما حلمنا به”.



