البشرية سبقت البشر.. عن ابن خلدون وتايتنك والترامبية السياسية
هل سبقت “البشرية” (بمنجزها العلمي) “البشر” (بمنجزهم القيمي)؟
يسكننا وهمٌ جماعي بأن تراكم المعرفة والتطور التكنولوجي كفيلان بحمايتنا من السقوط في حفر التاريخ المتكررة. لكن الحقيقة التي واجهتها، ليس كصحفي يراقب الأحداث فحسب، بل كإنسان اختبر مرارة ألا تنتمي لدولة قوية تحميك، هي أننا لا نزال نراوح مكاننا. قرون مضت منذ وضع ابن خلدون نظريته عن دورة حياة الدول، ولا نزال اليوم، رغم كل “الذكاء” المحيط بنا، نكرر ذات الانهيارات بذات السذاجة.
عمى القوة
يرى ابن خلدون أن الدولة تبدأ بـ”عصبية” متماسكة، قوة روحية واجتماعية تمنحها الصعود، لكن هذا التماسك يذوب مع الوصول إلى ذروة الترف. المفارقة أن الدول في “عصورها الذهبية” تُصاب بنوع من العمى الإرادي؛ القوة تمنح شعوراً زائفاً بالأمان يجعل القادة يعجزون عن رؤية “جبل الجليد” المقترب، تماماً كما حدث مع طاقم التايتنك. نحن لا نفشل لأننا نجهل التاريخ، بل لأننا في لحظة القوة، نعتقد أننا “استثناء” من قوانينه.
النموذج الأمريكي: أرقام تشي بالانحدار
اليوم، تضع الدراسات السياسية الولايات المتحدة تحت مجهر ابن خلدون، والمؤشرات الرقمية لعامي 2025 و2026 تبدو قاتمة. لقد أظهرت أحدث استطلاعات مركز Pew Research أن 62% من الأمريكيين غير راضين عن ديمقراطيتهم، بينما يعيش 49% حالة من “الإحباط المزمن” تجاه المؤسسات، ما يؤكد على تآكل الثقة.
فيما تراجع تصنيف جودة الديمقراطية الأمريكية بحسب تقرير Century Foundation إلى 57/100، وهو هبوط حاد بنسبة 28% في فترة وجيزة.
وحذّر الأكاديميون في جامعة هارفارد من دخول البلاد مرحلة “السلطوية التنافسية”، حيث يتم تجريف “العصبية المدنية” لصالح استقطاب هوياتي هو الأعلى منذ الحرب الأهلية.
في هذا المشهد، يبدو دونالد ترامب وكأنه يركض بالبلاد نحو الهاوية تحت شعارات “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً”، ولا يضع في حسبانه كما فعل فريق تايتنك جبل الجليد الذي من الممكن أن يظهر في وجهنا ونحن نصعد التاريخ.
هذا الجبل في الولايات المتحدة يأتي على شكل مؤسساتي واجتماعي في ظل تصدّع المؤسسة الأمريكية الذي يزيده ترامب عبر إجراءاته السلطوية وزيادته للانقسام الاجتماعي داخل البلاد.
إن المشاهد التي خرجت من مينيسوتا على سبيل المثال في الأسابيع الأخيرة، وتحديداً للأطفال الذين تعرّضوا للعنصرية من قبل شرطة الهجرة أو من زملائهم، ترصد عمق الانهيار الأخلاقي في الولايات المتحدة الذي يعمّقه دونالد ترامب عندما يهزّ صورة الولايات المتحدة في وجدان أطفالها.
هذه المشاهد أراها كمراقب خارجي ركيزة للانحدار، فمن يعتقد أن الدول تنحدر وتنهار لأنها ضعيفة عسكرياً أو مفلسة مخطئ، إنما تنهار الدول لأنها تفقد جوهرها الأخلاقي والاجتماعي.
والأسوأ أن هذه “الترامبية” تحولت إلى عدوى عالمية عابرة للحدود، تساهم في نمو تيارات مشابهة في أكثر من 20 دولة ديمقراطية، مما يهدد الاستقرار الدولي برمته، وتعزّز السلطوية في دول تميل إلى الترامبية بطبعها كما في العديد من الأمثلة في الشرق الأوسط.
إنسان الكهف يحمل “آيفون”
يتجلى هذا الانحدار القيمي في تحويل كل شيء إلى مجرّد أرقام. حين تبرز مشاريع مثل “ريفييرا الشرق الأوسط” كخطة لمستقبل منطقة ما، دون أن يسأل أحد أين ذهبت ذكريات الناس؟ شوارعهم؟ مرابيهم؟
إن تحويل حياة الملايين إلى “أوراق ضغط” أو صفقات استثمارية يعكس انفصالاً مرعباً بين “البشرية” كمنظومة قيم، وبين “البشر” كممارسين للسياسة.
لقد قطعت “البشرية” كحضارة مادية شوطاً هائلاً، لكن “البشر” ككائنات سلوكية لا يزالون عالقين في العصور الوسطى. في أزمة كورونا مثلاً، صُدِمنا بمشاهد البشر وهم يفرغون رفوف المتاجر بدافع الهلع، غير مبالين بحاجة الآخر.
في أحد المتاجر الفرنسية، طلبتُ من شخص يحمل في عربته أكثر من ٢٠ كيس بطاطا مفرّزة أن يعطيني كيساً واحداً خلال فترة الحجر الصحي، لكنه رفض. هذا السلوك الغريزي البدائي يثبت أن كل التطور الذي نلمسه بأيدينا لم يلمس دواخلنا.
أمثلة كثيرة أخرى من غزّة إلى سوريا، والخطاب المعادي للهجرة في الغرب لا سيما مؤخراً في الولايات المتحدة، والتزييف والأخبار المضلّلة، وتحكّم شخص مثل إيلون ماسك بمنصّة عليها ملايين المستخدمين، وإتاحة محتوى جنسي لهم بالذكاء الاصطناعي من أجل بيع الاشتراكات.
كل هذا وأكثر يؤدي إلى نتيجة واحدة مفادها أننا نستخدم أحدث الأجهزة لنشر أفكار قديمة، ونوظّف أعظم الاختراعات لخدمة أكثر الغرائز بدائية. لقد سبقت “البشرية” (بمنجزها العلمي) “البشر” (بمنجزهم القيمي) بمسافات ضوئية.
التاريخ يفرض نفسه كدورة طبيعية، والمأساة الحقيقية ليست في أن الدول تنهار، بل في أننا نصل إلى الانهيار ونحن لا نزال نملك عقولاً تعيش في الكهوف، رغم أنها تسكن ناطحات سحاب وتتحكّم بمصائر الكوكب عبر كبسة زر.



