سوريا التي لا نعرفها: لماذا نفشل في فهم بعضنا؟
دعاة التقسيم والفيدرالية ليسوا استثناء في هذا المشهد، حتى الآن يتم الحديث عن كانتونات لا تتجاوز “غرفتين وصالون” كما نقول، وغير قابلة للحياة لأكثر من شهر ونصف
منذ سقوط النظام السوري، كلما فتحنا نقاشاً عن مستقبل سوريا، عن أزماتها العميقة وإمكانية إعادة بناء البلد والمجتمع، يظهر واقع مزعج أكثر مما هو مؤلم: نحن السوريين لا نعرف بعضنا كما نظن. بل الأسوأ، كل واحد منا يتعامل مع سوريا كما لو أنها الصورة المختزلة الموجودة في رأسه، لا كما هي في الواقع.
نحب أن نردد أن مجتمعنا “تعددي”، لكن هذه الكلمة ما زالت في الفضاء العام، أقرب إلى شعار منها إلى ممارسة. القبول الحقيقي بالتعددية يعني الاعتراف بأن الآخر ليس فقط موجوداً، بل يملك الحق الكامل في أن يكون مختلفاً، في أفكاره، مخاوفه، وخياراته السياسية. هذا القبول كان هشاً ومن ثم سحق نهائياً لصالح الاصطفاف الطائفي.
الخوف من الكلام: مجتمع لا يقول ما يفكر به
من ملاحظاتي والنقاشات الجانبية التي أديرها مع السوريين ومن ثم متابعتي لهم في الفضاء العام أجد أن جزء كبير من السوريين لا يتحدث بصراحة في العلن. الخوف حاضر: خوف من المجتمع، من التخوين، من التصنيف، وأحياناً من المستقبل المجهول نفسه. الناس لا تقول ما تفكر به فعلاً، لا عن السياسة ولا عن شكل الدولة التي تريدها. وهكذا يتحول الفضاء العام إلى مسرح نكرر فيه عبارات محفوظة بدل أن نخوض نقاشاً حقيقياً.
نرفع جميعاً شعار “الوحدة الوطنية”، ولا أعتقد أن الشعار نابع من إيمان بل من استسهال، إنها أسهل طريقة للتعبير دون صدامية، سبق أن تحدثت في مقال سابق بعنوان “الحريات العليا والحريات السفلى” عن فكرة التضامن والنضال المتعلق بفلسطين في العالم العربي من نقطة أنه نضال سهل.. لا تلاحق عليه الأنظمة ولا يقود إلى المعتقلات ومتسامح معه كمتنفس.. الوحدة الوطنية باتت شيء مشابه في سوريا.
لكن بصراحة، سوريا اليوم يجب أن تكون قد تجاوزت الوحدة الوطنية من مفهوم “الهلال حاضن الصليب”. هذا الخطاب كان ضرورياً في لحظة تاريخية معينة، لكنه لم يعد كافياً. المطلوب اليوم ليس تعايشاً رمزياً، بل عقداً سياسياً واضحاً يعترف بالتنوع بوصفه واقعاً، لا عبئاً.
باختصار، لستَ مطالباً بأن تحب الآخر، فقط لا تكرهه، فالتعايش لا يفترض المحبة، بل يفترض الحد الأدنى الأخلاقي وهو ألا تتحول الاختلافات إلى كراهية.
سياسة بلا بوصلة: حكومة مرتبكة ونخب تحتفل
المشهد السياسي في البلاد لا يزال مرتبكاً حتى ولو بدت الحكومة تعمق حضورها وتحظى بموقف دولي قوي. الخطاب الرسمي لا يزال غير واضح داخلياً، كما أن المجتمع نفسه لا يملك بوصلته السياسية. لا تنظيم، لا أطر جامعة، والنخب السورية تبدو منشغلة بالاحتفال أو بالظهور أكثر من انشغالها بتقديم تصورات جدية، ومن وجهة نظر أخرى يتحكم “الترند” في سوريا ويقود بعض سياساتها. نعم، ربما يجب أن نتحلى بالصبر، لكن الصبر لا يعني تعليق الأسئلة.
لنتحدث بوضوح، في سوريا اليوم العلماني لا يعرف بالضبط أي علمانية يريد. هل هي حياد الدولة؟ أم إقصاء الدين؟ أم مجرد رد فعل على الإسلام السياسي؟ في المقابل، الإسلامي لم يقدّم حتى الآن تصوراً حديثاً ومتماسكاً لما يسميه “النظام الإسلامي”. كثير من هذه الأفكار ما زال أسير نماذج تاريخية لم تتطور منذ أواخر العهد العثماني، وكأن الزمن توقف.
ودعاة التقسيم والفيدرالية ليسوا استثناء في هذا المشهد، حتى الآن يتم الحديث عن كانتونات لا تتجاوز “غرفتين وصالون” كما نقول، وغير قابلة للحياة لأكثر من شهر ونصف، لنتأكد أن تقسيم سوريا على أساس طائفي أو عرقي غير ممكن، مع الأسف حتى التقسيم لن يعفيكم من التعايش.
وهم الأكثرية: حين تُختزل السياسة في الحساب العددي
من جهة أخرى هناك وهم شائع لدى جزء من السنة بأن “الأكثرية يجب أن تحكم”، وأن أي شخصية سنية إسلامية ستكتسح الانتخابات حكماً. هذا تبسيط خطير. أنا من عائلة سنية، ولا أريد حكماً دينياً، ومثلي كثيرون. الأكثرية ليست كتلة واحدة، ولا تفكر بطريقة واحدة.
في المقابل، لدى جزء من الأقليات قناعة راسخة بفكرة “احمونا، نحن أقليات”. خطاب الحماية هذا، كما قالها محمود عباس بسخرية مرة: “احمونا، نحن محتاجين حماية”. المشكلة أن أي صوت متوازن من داخل الأقليات يتعرض للهجوم من طائفته ومن الأكثرية في آن واحد، وكأن الاعتدال جريمة.
أما الغرب، فتعاملُه براغماتي إلى أقصى حد. ما يهمه هو استقرار المنطقة وضبطها، لا رفاهية السوريين ولا حقوقهم. وإذا تحول النظام إلى إسلامي بالكامل، سيكون مستعداً لفتح أبوابه للنخب والأقليات الفارة، وترك البقية لمصيرهم.
أسطورة “النموذج السوري”
وأخيراً، فكرة “النموذج السوري” التي تبالغ الحكومة في الحديث عنها، والتي يُفترض أن تعكس ثقافة المجتمع السوري هي فكرة فضفاضة إلى حد الوهم. ثقافة أهل أمي تختلف عن ثقافة أهل أبي، وبين البيتين ثلاث شوارع فقط. فما بالك ببلد كامل؟
بلد يغرق تباعاً بعد كل المجازر والانتهاكات التي حدثت خلال الأشهر الماضية في دوامة طائفية يصبح الخروج منها أصعب مع مرور الوقت، تختبئ النخب السورية وتغطي فشلها بالمطالبة بمؤتمر حوار وطني جديد، تطالب بالحديث إلى ممثلي المجتمع الذي لم يفرز قيادات متأثراً بالإقصاء طوال فترة حكم الأسد، ثم التعامل معه ككتل طائفية خلال فترة أحمد الشرع فكان لابد أن يصدر قيادات مثل غزال غزال والهجري.
نتحدث عن سوريا والسوريين كدولة ومجتمع واعي يستطيع إفراز طبقة حكم في وقت تقول لنا الصورة الواقعية أننا أمام دولة محطمة ومجتمع يحتاج إلى من يأخذ بيده إلى مصاف المجتمعات المتطورة من خلال خلق البيئة القانونية والسياسية التي تخلق بدورها فرصاً للنمو والتطور، وهذا لا يأتي عبر المؤتمرات والحوارات والاحتفالات والرقصات واللبت لبت.
يحتاج إلى من يتحدث إليه بلغته، لا بلغة شعبوية طائفية كما يفعل البعض، ولا بلغة استعلائية مثقفة كم يفعل البعض الأخر.
نحن لا نحتاج إلى مؤتمر “حوار وطني” نصفق فيه لشعارات جميلة بلا مضمون. نحتاج نقاشاً حقيقياً، صريحاً، شفافاً، وهادئاً. نقاشاً يعترف بالاختلاف بدلاً من إنكاره، ويضع الأسئلة الصعبة على الطاولة من دون خوف ولا وصاية. وهنا بالطبع مسؤولية السلطة الحالية بتبني هذا النهج، ومن ثم يتبعه حكومة وطنية مخلصة وقوية وجادة بتطبيق ما هو يكفل حقوق السوريين وكرامتهم ويفتح لهم الباب للممارسة السياسية ويعطيهم فرص النمو والاستقرار. وهذا طبعا غير ممكن دون أن تتحلى الفصائل العسكرية السورية بالمسؤولية وتتعهد على نفسها الانتقال بسوريا إلى حالة الدولة، ربما هذا هو الطريق الوحيد المتبقي، إذا أردنا فعلاً سوريا أفضل، لا سوريا المتخيلة في رؤوسنا.


